ما الذي تتيحه لك مدينة سانتياغو من تجارب: استكشاف لعاصمة تشيلي
2026/01/08
الأعوام الثقافية
false
2026/01/08

تقدّم سانتياغو للباحثين فيها عمّا يمكن أن تتيحه من تجارب مزيجًا فريدًا من المعالم التاريخية، والأحياء ذات الطابع المميز، والتجارب الغامرة التي تعكس هوية تشيلي من خلال الطعام، والفنون، والموسيقى.
من أكشاك سوق ميركادو سنترال الصاخبة إلى الإطلالات البانورامية من فوق تل سان كريستوبال، ومن قصر لا مونيدا الرئاسي إلى شوارع حي بيلافيستا الآسرة، يجد كل زائر ما يلائم ذائقته وأسلوبه.
سواء كان هدفك هو التجوال في الحدائق الغنّاء، أو التأمل في متحف الذاكرة وحقوق الإنسان، أو الاستمتاع بالحياة النابضة في المساء، فإن سانتياغو مدينة غنية بالقصص والنكهات والتقاليد. يسلّط هذا الدليل الشامل الضوء على أبرز معالم سانتياغو، وأهم ما يمكن أن تراه أو تمارسه، ونصائح عملية تساعدك على التخطيط لزيارة آمنة، ولا تُنسى، وتغشاها الثقافة.
تكشف شوارع سانتياغو وساحاتها ومبانيها البارزة عن أصول المدينة الاستعمارية، وتاريخها السياسي، وهويتها الفنية. تأسست المدينة في القرن السادس عشر، وشكّلتها تحولات متعاقبة على مدى قرون، ولا تزال تحفظ ماضيها في مواقع تراثية تواصل استقطابها لأعداد كبيرة من الزوار.

وبحسب الهيئة الوطنية للسياحة في تشيلي، استقبلت منطقة سانتياغو الحضرية نحو 2.84 مليون زائر بين يناير ونوفمبر 2024.
ويمنح استكشاف معالم سانتياغو التاريخية نافذة على تاريخ تشيلي، في الوقت الذي يعكس فيه حيوية عاصمتها الحديثة.
تُعد ساحة بلازا دي أرماس القلب الثقافي لسانتياغو. تأسست عام 1541 على يد بيدرو دي فالديفيا، وكانت على مدى قرون مركزًا للحياة السياسية والدينية والاجتماعية في العاصمة.
شهدت الساحة محطات مفصلية في تاريخ تشيلي، من بدايات الحشود المطالبة بالاستقلال إلى المظاهرات السياسية في القرنين التاسع عشر والعشرين. وتحيط بالساحة مبانٍ تعود إلى الحقبة الاستعمارية، من بينها كاتدرائية سانتياغو متروبوليتان ومكتب البريد المركزي، لتجسّد أوجه التاريخ المتعاقبة للمدينة.
ولا تزال الساحة من أكثر معالم سانتياغو زيارة، حيث اشتهرت بأجوائها الحيوية، والعروض الفنية في الشارع، والمقاهي المنتشرة حولها، كما تُعد نقطة انطلاق مثالية لاكتشاف مركز المدينة التاريخي، بفضل موقعها المركزي والمفتوح.
وخلال الاحتفالات الوطنية مثل يوم الاستقلال في 18 سبتمبر، تنبض الساحة بالموسيقى والرقص والمأكولات الشعبية، بما يعكس دورها المحوري في التقاليد التشيلية.
يُعد قصر لا مونيدا أحد أهم المباني التاريخية في سانتياغو ورمزًا بارزًا للتاريخ السياسي في تشيلي. صمّمه المعماري الإيطالي خواكين تويسكا في أواخر القرن الثامن عشر، ويعكس طرازه الكلاسيكي الجديد التأثيرات الأوروبية في العمارة المدنية القديمة في تشيلي.

كان القصر مقرًا لدار سكّ العملة الوطنية، ثم أصبح المقر الرسمي لرئاسة الجمهورية عام 1846. ومنذ ذلك الحين، لعب دورًا محوريًا في تاريخ البلاد، لا سيما خلال أحداث الانقلاب العسكري عام 1973، ولا يزال حتى اليوم مقرًا للحكومة الرسمية.
يمكن للزوار دخول قصر لا مونيدا عن طريق جولات إرشادية مجانية تُحجز مسبقًا في بوابة الحكومية الرسمية عبر الإنترنت، وتُقدّم باللغتين الإنجليزية والإسبانية، وتتيح وصولًا نادرًا إلى القاعات والمعروضات الرسمية، وتقدّم للزوار لمحة معمّقة عن تاريخ تشيلي والتقاليد الاحتفالية والرسمية التي لا تزال حاضرة داخل أروقة القصر.
كما يمكن مشاهدة مراسم تبديل الحرس الرسمية التي تُقام في ساحة الدستور يومًا بعد يوم، عادةً عند الساعة العاشرة صباحًا في أيام الأسبوع، والحادية عشرة صباحًا في عطلة نهاية الأسبوع.
أما في الطابق السفلي، فيحتضن المركز الثقافي لقصر لامونيدا برنامجًا متجدّدًا من المعارض والفعاليات الثقافية التي تُسهم في تعميق فهم تاريخ تشيلي وفنونها. ويجعل هذا التداخل بين الدور السياسي والحراك الثقافي من قصر لامونيدا محطة أساسية لكل من يسعى إلى استكشاف الثقافة التشيلية.
يُشكل تل سانتا لوسيا واحة خضراء هادئة في قلب سانتياغو. كان يُعرف في الأصل باسم هولين لدى السكان الأصليين من قبيلة بيكونشي، وقد استُخدم كنقطة مراقبة استراتيجية منذ زمن بعيد قبل وصول المستوطنين الإسبان. وخلال تأسيس المدينة عام 1541، استخدم بيدرو دي فالديفياالتل كنقطة دفاعية.

وفي أواخر القرن التاسع عشر، حوّل العمدة بنيامين فيكونيا ماكينا التل الوعر إلى الحديقة المُنسّقة التي نراها اليوم. ويحظى الزوار عند الصعود إلى أعالي التل بإطلالات بانورامية على المدينة تحيط بها جبال الأنديز، إلى جانب معالم تاريخية وتحصينات تعود للعهد الاستعماري. ويظل تلّ سانتا لوسيا ملاذًا حضريًا شهيرًا لكل من السكان المحليين والزوار على حد سواء.
يعد سوق ميركادو سنترال في سانتياغو مهرجانًا يغذي الحواس وركيزة أساسية في ثقافة الطهي في المدينة، ويُعرف بمأكولاته البحرية الطازجة وأجوائه الحيوية، ويشكّل مركزًا للحياة التجارية والاجتماعية منذ القرن التاسع عشر.
افتُتح السوق عام 1872، ويقع تحت هيكل بارز من الحديد والزجاج صُنع في اسكتلندا وتم تجميعه في تشيلي. وقد بُني السوق في الأصل لدعم النمو السريع لسكان العاصمة، وما زال يواصل ازدهاره اليوم، حيث تفيض الأكشاك بالمنتجات المحلية الطازجة.
يشتهر السوق بشكل خاص بالمأكولات البحرية التي تُجمع يوميًا من السواحل القريبة، مثل الكونغريو (الأنقليس)، والماتشاس (بلح البحر)، واللوكوس (الرخويات التشيليّة). ويُعد تناول الطعام هنا جزءًا من التجربة، مع أطباق مثل السيبيتشي، والرينيتا المشوية، وكالديّو دي كونغريو، حساء السمك الأيقوني الذي خلد شاعر تشيلي بابلو نيرودا ذكره. وإلى جانب هذه الأطعمة المحلية الشهية، يقدم السوق لمحة عن الحياة اليومية في تشيلي.
يرتفع تلّ سان كريستوبال فوق سانتياغو من داخل الحديقة الميتروبوليتانية، إحدى أكبر الحدائق داخل المدن في العالم. يُعد هذا التل واحدًا من أكثر المساحات الخضراء شعبية في المدينة، ويمكن الوصول إلى قمته عبر القطار الجبلي (الفونيكولار)، أو التلفريك، أو الدراجة، أو مسار المشي، ليحظى الزائرون بإطلالات خلابة على أفق المدينة وجبالها.

في قمة التل، يُطل تمثال السيدة مريم العذراء بارتفاع 14 مترًا على المدينة، إلى جانب مناطق لمشاهدة المدينة ومساحات ترفيهية تجعل التل وجهة مفضلة للعائلات والمصورين وعشاق الأنشطة الخارجية.
يبدو حي باريس-لندن كجوهرة مخفية وسط سانتياغو، بواجهاته المغطاة باللبلاب، وعمارته المستوحاة من الطراز الأوروبي لأوائل القرن العشرين، متأثرًا بالتصميم الفرنسي والبريطاني. تحفّز أزقته الهادئة على نزهات بعيدة عن الصخب، وعلى التقاط الصور، والتوقف عند مقاهٍ لها لمسة خاصة، لتُقدم طابعًا مريحًا يختلف عن نظيره في أحياء المدينة المزدحمة.
بعيدًا عن أحياء سانتياغو وحدائقها التاريخية، فإنها تكشف عن مدينة كوزموبوليتانية تتشكل من العمارة الحديثة الأنيقة، والمأكولات المبتكرة، والأحياء الإبداعية، وفضاءات الفن المعاصر.
يبلغ ارتفاع برج كوستانيرا 300 متر، ليكون بذلك أعلى مبنى في أمريكا الجنوبية. اكتمل بناؤه عام 2013، ويبرز تصميمه العصري مقابل العمارة الاستعمارية للمدينة، رمزًا لصعود سانتياغو كعاصمة عالمية.

توفر منصة المراقبة في برج سكاي كوستانيرا بالطابقين 61 و62 إطلالات بزاوية 360° على المدينة وجبال الأنديز المغطاة بالثلوج في الأفق. ويمكن للزوار الاستمتاع بالقهوة والوجبات الخفيفة والجولات الإرشادية والفعاليات الخاصة. المكان مفتوح يوميًا من الساعة 10:00 صباحًا حتى 10:00 مساءً (آخر دخول في الساعة 9:00 مساءً)، وتتوفر التذاكر مسبقًا عبر موقع سكاي كوستانيرا الإلكتروني.
كان حي إيطاليا في السابق منطقة صناعية هادئة، لكنه تحول اليوم إلى أحد أحياء سانتياغو الأكثر عصرية. تصطف في شوارعه المتاجر المستقلة واستوديوهات التصميم والمتاجر العتيقة وصالات العرض التي تقدّم الفن والحرف اليدوية التشيلية، بما في ذلك الأثاث المصنوع يدويًا والمجوهرات والمصنوعات الخزفية.
كما يضم الحي العديد من المقاهي والمخابز والمطاعم المريحة. وبفضل شوارعه المهيأة للمشي وأجوائه الإبداعية، يعكس حي إيطاليا احتضان سانتياغو للإنتاج المحلي ونمط الحياة البطيء وتجديد المجال الحضري مع التركيز على المجتمع.
على بُعد رحلة قصيرة بالسيارة من سانتياغو، يمثّل وادي مايبو بوابة على المناظر الطبيعية الخلابة لوسط تشيلي، محاطًا بجبال الأنديز، تتخلله تلال وأنهار وسهول. تتميز المنطقة بتراثها الثقافي والزراعي الغني، بوجود ضياع تاريخية ومزارع الكروم وحقول تقدم زيارات إرشادية بغية استكشاف المحاصيل المحلية والحياة الريفية.

أما كيجون ديل مايبو، وهو مضيق خلاب ضمن الوادي، يُعد ملاذًا لعشاق الأنشطة في الهواء الطلق، حيث يضم مساراتٍ تحفّها الجبال، وأنهارًا، وتكوينات صخرية، ونقاط مشاهدة بانورامية للمشي لمسافات طويلة، وأنشطة لركوب الخيل والتجديف، أو مجرد الاستمتاع بالمناظر الجبلية الوعرة. وتُضيف الينابيع الساخنة الطبيعية والخزانات ونقاط المراقبة مزيدًا من الجاذبية للمنطقة. وسواء كنت تتجول في القرى الصغيرة، أو تلتقي بالحرفيين، أو تخوض مغامرةً عبر جبال الأنديز، يقدم وادي مايبو تجربة لا تُنسى في قلب تشيلي الطبيعي والثقافي، على مقربة من سانتياغو.
على بعد أقل من ساعتين من سانتياغو بالحافلة أو القطار، تُعد مدينة فالبارييسو، المدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي لليونسكو، وجهة مثالية لرحلة تستغرق يومًا واحدًا للمسافرين الراغبين في استكشاف الثقافة البحرية لتشيلي. تشتهر هذه المدينة الساحلية الواقعة على ساحل المحيط الهادئ في وسط تشيلي بمنازلها الملونة على التلال، وأسواق المأكولات البحرية، والسكك الحديدية المعلّقة التقليدية.

لطالما ألهمت أجواء فالباراييسو، التي يغلب عليها طابع المرح وأجواء الفن، الشعراء والرسامين والموسيقيين. يمكن للزائرين التجول في الشوارع المرصوفة بالحصى، واستكشاف المعارض والمتاجر المستقلة، والصعود إلى نقاط المشاهدة على التلال مثل ممشى جيرفاسوني أو تل كونسبسيون للاستمتاع بإطلالات بانورامية على المحيط الهادئ. ولا تفوتوا زيارة لا سيباستيانا، منزل الشاعر بابلو نيرودا الساحلي الغريب والمليء بعناصر منتقاة، مع إطلالات خلابة على البحر.
مع وجود خدمة النقل بحافلات وقطارات متواترة تصل بين سانتياغو وفالبارييسو في أقل من ساعتين، يمكن قضاء يوم كامل للاستمتاع بأجواء المدينة، وعمارتها التاريخية، ومناظرها الساحلية دون الحاجة للمبيت.
هناك العديد من الأنشطة التي يمكن ممارستها في سانتياغو، بدءًا من زيارة المتاحف والمعارض إلى المسارح والمهرجانات والأسواق التقليدية الصاخبة. فيما يلي أبرز المؤسسات الثقافية التي يمكن استكشافها:
يقع بالقرب من بلازا دي أرماس، ويُعنى المتحف التشيلى للفن ما قبل كولومبوس بالحفاظ على التراث الثقافي الغني لأمريكا اللاتينية والاحتفاء به. تمتد مجموعته الواسعة على مدى آلاف السنين وتضم قطعًا أثرية من حضارات مثل الإنكا، والأيمارا، والمابوتشي، والموتشي، وشعوب أخرى من السكان الأصليين.

يمكن للزوار استكشاف المنسوجات والمصنوعات الخزفية والأدوات الاحتفالية والنقوش، حيث يكشف كل منها عن رؤى حول حال المجتمعات ما قبل وصول كولومبوس. وتُوفر العروض التفاعلية والشروحات المفصلة سياقًا يوضح أهمية كل قطعة، إلى جانب النطاقات التجارية والثقافية والروحية الأوسع في تلك الحقبة.
يؤدي المتحف دورًا حيويًا في الحفاظ على تاريخ أمريكا اللاتينية، ويعد مركزًا للبحث وتعليم الجمهور. كما تُبرِز المعارض المؤقتة والفعاليات الخاصة، على نحو منتظم، فنونًا تمزج بين الأصالة والمعاصرة.
المتحف مفتوح يوميًا ويقدم جولات إرشادية باللغتين الإسبانية والإنجليزية. ويمكن الوصول إليه بسهولة عبر وسائل النقل العامة، ويضم مقهى ومتجرًا للهدايا يعرض مصنوعات يدوية. يُعد المتحف التشيلي للفن ما قبل كولومبوس محطة أساسية لكل من يسعى إلى تعميق فهمه عن تراث المنطقة.
متحف الذاكرة وحقوق الإنسان في سانتياغو هو مؤسسة تُعنى بتوثيق التاريخ المضطرب لتشيلي خلال فترة الديكتاتورية العسكرية بين 1973 و1990.
يحفظ المتحف ذكرى انتهاكات حقوق الإنسان، ويكرم الضحايا، ويشجع على التأمل في مبدأي العدالة والديمقراطية وفي الأهمية المستمرة لحقوق الإنسان في تشيلي والعالم.
يمكن للزوار قضاء عدة ساعات في استكشاف فضاءات المتحف المصممة بعناية. تشمل المعارض الدائمة المؤثرة والمحفّزة للتفكير صورًا فوتوغرافية، وسجلات زمنية مفصلة عن الانقلاب والديكتاتورية، وعروضًا تفاعلية تسرد قصص الناجين، وأعمالًا فنيةً تركيبية تستكشف القمع السياسي والسعي نحو العدالة.
العمارة نفسها رمزية، مع ممرات مفتوحة وصالات يغمرها الضوء الطبيعي صُمّمت لتشجيع التأمل. بالإضافة إلى المعروضات الدائمة، يستضيف المتحف بانتظام معارض مؤقتة وورشات عمل تعليمية وعروض أفلام تعزز فهم قضايا حقوق الإنسان في تشيلي وعلى مستوى العالم.
يقع المتحف في حي كوينتا نورمال، ويمكن الوصول إليه بسهولة عبر وسائل النقل العامة. وهو مفتوح من الثلاثاء إلى الأحد، مع دخول مجاني لجميع الزوار. تتوفر جولات إرشادية بالإسبانية والإنجليزية توفر رؤية أعمق عن المعروضات والسياق العام.
يقع متحف تشيلي الوطني للفنون الجميلة بالقرب من حديقة بارك فورستال، ويضم مجموعة مقتنيات رائعة تمتد من اللوحات الأوروبية الكلاسيكية إلى الفن الحديث والمعاصر من تشيلي.

تشمل أبرز المعروضات أعمالًا لكبار الفنانين الأوروبيين مثل جيوفاني باتيستا تييپولو وخوسيه خيل دي كاسترو، إلى جانب أعمال لمشاهير الفنانين التشيليين مثل بيدرو ليرا وألفريدو فالينزويلا بولما وكلوديو برافو. ويُقدم المتحف بانتظام معارض وورشات عمل وفعاليات، ما يجعله مركزًا نابضًا بالتعبير الإبداعي ووجهة محبوبة لعشاق الفن في سانتياغو.
يُعد مركز غابرييلا ميسترال الثقافي من أهم المراكز الفنية في سانتياغو، حيث يعكس الحياة الثقافية النابضة للمدينة، ويوفر منصة للفنانين المحليين والدوليين، ما جعله مركزًا نشيطًا للفنون، يستضيف إنتاجات مسرحية، وحفلات موسيقية، وعروضًا للرقص، وعروضًا لأفلام، ومعارض للفنون التشكيلية.
بني المركز عام 1972 لاستضافة النسخة الثالثة من مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، وسرعان ما تحول إلى فضاء ثقافي. وعقب الانقلاب العسكري عام 1973، أغلق النظام المركز واستخدمه كمكاتب حكومية. وتسبب حريق كبير في عام 2006 في تلفيات جسيمة، ما استلزم ترميمًا وإعادة تصميم شاملة ركزت على الانفتاح والشمولية.
وقد أعيد افتتاح المبنى بعد التجديد عام 2010، مستعيدًا دوره كفضاء عام للثقافة. وتمزج عمارته المعاصرة بين المساحات المفتوحة والتصميم العملي، الأمر الذي يسهل الإبداع والحوار.
يمكن للزوار حضور العروض الفنية، واستكشاف معارض الفنون البصرية، أو المشاركة في ورشات عمل إبداعية. كما تجعل المهرجانات المنتظمة، والحوارات مع الفنانين، والفعاليات المجتمعية مركز غابرييلا ميسترال الثقافي وجهة شعبية للجمهور من جميع الأعمار. سُمي المركز باسم غابرييلا ميسترال، نسبة إلى الشاعرة والدبلوماسية الحائزة على جائزة نوبل من تشيلي، والتي اشتهرت بمساهماتها في الأدب والتعليم والقضايا الاجتماعية.
يشتهر حي بيلافيستا البوهيمي في سانتياغو بجدارياته الملونة، ومسارحه، ومساءاته التي تعجّ بالحياة، وفضاءاته الفنية. تمتلئ شوارعه بالمقاهي والمطاعم والمساحات الإبداعية، ما يجعله مقصدًا رئيسيًا للسكان المحليين والزوار على حد سواء.
كما يضم الحي لا تشاسكونا، المنزل الغريب الذي كان يقيم فيه سابقًا الشاعر بابلو نيرودا الحائز على جائزة نوبل، ويقدم لمحة عن حياة هذا الشاعر التشيلي المحبوب. ويجسد حي بيلافيستا روح سانتياغو الفنية بكل تجلياتها.
يعد حي لاستاريا حيًا ساحرًا معروفًا بشوارعه المرصوفة بالحصى، ومبانيه على طراز آرت ديكو، ومشهده الثقافي النابض. تخلق عمارته المستوحاة من الطراز الأوروبي، وفن الشارع الجريء الموجود به، وتماثيله الخارجية أجواءً حيوية، مثالية للتجول، والاستمتاع بالموسيقى الحية، أو استكشاف الطابع الفريد للحي.
تعد حديقة فورستال واحة حضرية مورقة تمتد على طول نهر مابوتشو، مثالية للمشي وركوب الدراجات أو الاسترخاء في الظل. توفر المسارات المظللة بالأشجار مع التماثيل والنوافير ممرًا بديعًا بين أبرز المؤسسات الثقافية، بما فيها متحف تشيلي الوطني للفنون الجميلة. ويحظى المكان بشعبية لدى السكان المحليين كونه المكان المثالي للنزهات، والركض، والتنزه البعيد عن الضوضاء، موفرًا ملاذًا هادئًا في قلب المدينة.

تُعد حديقة كوينتا نورمال واحدة من الوجهات المفضلة لدى العائلات المحلية، فهي حديقة واسعة تتنوع فيها المساحات الخضراء والبحيرات وأماكن اللعب لتوفر أوقاتًا ممتعة للزوار. تضم الحديقة المتحف الوطني للتاريخ الطبيعي، ما يجعلها مكانًا مثاليًا للنزهات اليومية، ووجهةً مناسبة للتجمعات العائلية والتنزه في الهواء الطلق.
يُبرز مشهد الطهي في سانتياغو التراث الثقافي الغني والتنوع الإقليمي لتشيلي، من الأطباق التي يجب تذوقها: باستل دي تشوكلو، فطيرة الذرة الحلوة باللحم؛ وإمبانياداس، المعجنات المالحة المحشوة باللحم أو الجبن أو المأكولات البحرية؛ وكازويلا، الحساء الغني باللحم والخضروات الموسمية.

كما يمكن لعشاق المأكولات البحرية تذوق الصيد الطازج من المحيط الهادئ، بينما يقدم باعة الطعام في الشوارع أطعمة محلية شهيرة مثل كومبليتوس (هوت دوغ من تشيلي) وسوباي-بِياس (عجينة اليقطين المقلية). يُوفر الطعام في سانتياغو أصدق شاهد على الحياة التشيليّة، جامعًا بين النكهات التقليدية، والمكونات الموسمية، والإبداع المعاصر في الطهي.
تسهّل شبكة النقل العام المتطورة في سانتياغو التنقل داخل المدينة. يُعد قطار الأنفاق في سانتياغو وسيلة فعّالة ومعقولة التكلفة وتصل إلى معظم المعالم الرئيسية، فيما تُكمل شبكة الحافلات المناطق التي لا يغطيها قطار الأنفاق. تتوافر أيضًا سيارات الأجرة وتطبيقات النقل المشترك على نطاق واسع. أما الأحياء المركزية التي تكثر فيها المواقع التاريخية والثقافية، مثل بلازا دي أرماس وحي لاستاريا وحي بيلافيستا، فهي مناطق يُمكن الوصول إليها سيرًا على الأقدام.

وبالنسبة لرحلات اليوم الواحد خارج سانتياغو، يسهّل وجود الحافلات ووكلاء السفر الوصول إلى وجهات مثل فالباراييسو، ووادي مايبو، وكيجون ديل مايبو، ما يجعل استكشاف سانتياغو وما حولها شأنًا يسيرًا لا يحتاج إلى سيارة.
تُعتبر سانتياغو آمنة عمومًا، لا سيما في المناطق المركزية والمزدحمة. يمكن للزوار ضمان تجربة سلسة باتباع الاحتياطات المعتادة، مثل الانتباه لمحيطهم، وتجنب الشوارع المعزولة ليلًا، وتأمين ممتلكاتهم الشخصية.
يُعد أفضل وقت لزيارة سانتياغو خلال فصلي الربيع (سبتمبر–نوفمبر) والخريف (مارس–مايو)، عندما تكون درجات الحرارة معتدلة وتزدان المدينة بمشاهد طبيعية خلابة.
تتفتح في الربيع أشجار الجاكراندا ويصبح الجو لطيفًا، فيما يتميز الخريف بدرجات حرارة معتدلة وألوان أوراق جذابة. أما الصيف (ديسمبر–فبراير) فقد يكون حارًا، بينما الشتاء (يونيو–أغسطس) أبرد وأكثر هدوءًا، وهو وقت مناسب أيضًا لاستكشاف الثقافة بعيدًا عن الزحام.
سانتياغو مدينة التباينات، تتجاور فيها الساحات التاريخية مع ناطحات السحاب العصرية، ويلتقي المطبخ التقليدي مع فنون الطهي الطليعية. إن مزج سانتياغو بين التاريخ والثقافة والابتكار يجعلها وجهة نشيطةً يرتادها المسافرون الباحثون عن تجارب مختلفة، وأحياء نابضة بالحياة، ومناظر طبيعية مذهلة.
في عام 2025، احتلت المدينة مركز الصدارة على الخريطة الثقافية العالمية خلال العام الثقافي قطر - الأرجنتين وتشيلي، حيث انتقل الإبداع والتقاليد التشيليّة إلى الدوحة بطرق مثيرة وغير متوقعة.

شملت أبرز فعاليات البرنامج كوردييرا سونورا – أصوات الجبال، وهو عرض أوركسترالي مستوحى من جبال الأنديز استضافته مكتبة قطر الوطنية. كما قدّم برنامج نكهات من تشيلي: ثقافة في طبق لمحة عن المطبخ التشيلي الأصيل بمشاركة الشيف التشيلي فرانسيسكو أرايا في الدوحة الحائز على جوائز . وصعد مبتكرون من تشيلي أيضًا على خشبة مسرح مؤتمر القمة العالمي للابتكار في التعليم "وايز" في قطر، مقدمين رؤى من مختلف أنحاء أمريكا اللاتينية.
وقد امتد التبادل الثقافي على نحو ثنائي، حيث استضافت مكتبة قطر الوطنية نشاطًا ثقافيًا للأطفال في مركز لا مونيدا الثقافي، كما سافر فريق من سفراء من المؤثرين القطريين إلى سانتياغو في رحلة ثقافية عبر أمريكا اللاتينية.

في نوفمبر 2025، شارك فريق من إدارة حماية التراث الثقافي في متاحف قطر في رحلة لحفظ التراث إلى فالباراييسو، تأكيدًا للجهود العالمية للحفاظ على التراث المعماري والثقافي للمدينة. تستمر الشراكة في عام 2026، حيث تستضيف الدوحة نادي ديبورتيفو بالستينو من سانتياغو، لتعزيز الروابط الثقافية بشكل أكبر.
من الشوارع التاريخية والأحياء النابضة بالحياة إلى المعالم العصرية والمؤسسات العالمية، تقدّم سانتياغو تجربة متعددة الأوجه يصعب نسيانها، ويحتفي العام الثقافي 2025 بالإبداع التشيلي داخل البلد وخارجها.
اكتشف المزيد عن الفعاليات المقبلة في قطر عن العام الثقافي قطر - الأرجنتين وتشيلي 2025.